القاضي التنوخي
213
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة
جهتك ، أو على يدك ، أخذته على رغمك ، وإلَّا فلا أقلّ من أن أؤذيك برؤيتي ، كما تؤذيني بعطلتي . قال : فانصرفت متعجّبا منه ، ولم أعد على الوزير ذلك ، لئلا يغتاظ ، وتغافلت يومي . فلما كان من الغد ، بكَّر الوزير خارجا من داره ، وأنا معه ، فإذا بالشيخ ، فلما رآه ، التفت إليّ ، وقال : ألم أنفذك إليه برسالة ؟ قلت : بلى . قال : فلم عاد ؟ قلت : الخطب طويل طريف ، وإذا اطمأنّ الوزير في مجلسه حدّثته . قال : فلمّا نزل في طيّاره ، قال : أخبرني بما جرى . فقصصت عليه القصّة . وحملي الدراهم من مالي ، وما جرى بأسره ، وأدّيت إليه رسالته بعينها ، فكاد أن يطير غيظا . وانتهى الكلام ، وقد قدّم الطيّار « 1 » إلى دار الخلافة ، فدخل إليه وفي نفسه حديث الهبيري ، والغيظ منه ، فوقف بحضرة الخليفة ، وجرى الكلام . فقال له الخليفة : قد ألطَّ « 2 » عامل مصر بالمال ، وجنح إلى المدافعة ، فاختر رجلا شهما ، ننفذه مشرفا عليه ، ومطالبا بما مضى .
--> « 1 » قدم الطيار أو القارب : اصطلاح بغدادي بمعنى أرساه على الشاطئ ، وهذه الكلمة مستعملة إلى الآن عند القواربية ، والعامة ببغداد يسمون القارب : بلم ، ويجمعونه على : ابلام وبلمات ، ويسمون القواربي : بلام ، واحسب أن لفظة بلم محرفة عن برم ، جمعها برمات ، نوع من القوارب التي كان استعمالها شائعا ببغداد في القرن الرابع الهجري في العهد العباسي ، راجع حكاية أبي القاسم البغدادي 107 وللاطلاع على تفصيل أنواع وأسماء المراكب والسفن في ذلك العهد ، راجع معجم المراكب والسفن في الإسلام للعلامة حبيب زيات ، نشر بمجلة المشرق ، آب - كانون الأول 1949 السنة 43 . « 2 » ألط : امتنع عن أداء ما بذمته من حقوق .